عيد الفصح ٢٠١١

أصدقائنا الأعزاء،

نتقدم إليكم في نور القيامة بقول المسيح "السلام عليكم" وبنفخته على الرسل وهو يوصيهم بأن يغفروا للناس باسم الله. نتقدم إليكم في جسد المسيح الحَمل المذبوح إلى الأبد وفي جرح قلبه الخصب ونحن نقبّل يديه ورجليه التي شوّهها التعذيب. نتقدم إليكم لنطمئنكم عن الحالة التي أنعم الله علينا بها، بأن نبقى ثابتين في الإيمان وممتلئين رجاءً ومتحمسين للمحبة في وسط هذه الأزمنة الكارثية وخلال هذا الزمن الذي فيه يتخبّط الوطن العربي كل هذا التجدد، ضمن هذا العالم الإسلامي الذي نوليه كل اهتمامنا باسم الكنيسة.

إننا جماعة رهبانية ولسنا حزبًا سياسيًا، لذلك يستحيل لنا أن نقدم تحليلاً يتبناه الجميع عن الأحداث الجاريةومع ذلك لا يمكننا إلا أن نعبّر عن  ألمنا الشديد إزاء منطق العنف هذا الذي يسبب للكثيرين اوجاعاً لا تُحتمللقد كادت أن تتخيّب الآمال بإصلاح المؤسسات. إننا نعبّر إذاً، بصلاة الدموع وبتجديد نذرنا بالضيافة الغير مشروطة، عن تضامننا مع كافةِ ضحايا النزاع الجاري.

يعتقد بعض مسيحيي بلدنا أنه ليس من حلّ إلا من خلال القمع أوعكس ذلك من خلال الخضوع المذلّ لاستبداد الأكثرية. إننا، ومنذ زمن، نعتقد عكس ذلك، أي أنه من الممكن بناء مجتمع ديمقراطي وتعددي ولو تدريجيًا، فيتمكن المجتمع إذّاك أن يضمن حقوق الأقليات الدينية والإثنية أيضاً مع الحفاظ على كرامة الجميع.

لم يزل موقفنا مع اللاعنف. مازال النزاع يتغذى من خوفنا من بعض. وحده الحوار يمكنه أن يقود إلى المصالحة المرفقة بالإنصاف، شرط أن يبقى مصغيًا لرأي الآخر.

إن الخسائر المفروضة على المجتمع السوري لم تعد تعوض. نتضرع إلى الله طالبين من صبره المُحب أن يرينا واجبنا في أيامنا هذه. نعتقد ولا شك أن الديمقراطية الناضجة ليست من كماليات الغرب ولا هي تشكّل إنحرافاً مذهبياً. ففي خطابه أمام الوزراء صرح رئيس الجمهورية بأن الشعوب العربية قادرة ان تعيش في الديمقراطية مثل كل الناس !

 تقع سورية بين لبنان، بلد الانقسامات الطائفية، والعراق، بلد الفوضى والتفتت المذهبي، وإسرائيل، البلد العدو. لابد من الملاحظة أن الوحدة الوطنية في خطر، نظراً إلى القوى والمصالح الداخلة في العراك السياسي. إنّ فقدان هذه الوحدة سيكلّف حرباً أهلية طويلة ودامية. إن قناعتنا أن الأغلبية الساحقة من السوريين تبقى متمسّكة بالوحدة الحضارية الغير قابلة للانشقاق. لا يتبقّى لنا من الرجاء إلا أن يُسمح بتوسيع مجال حرية التعبير في سبيل الانطلاق في مشورة وطنية واسعة، الوحيدة القادرة أن تحضّر بديلاً غير دمويّ.

لم نزل نريد أن نصدّق وما زلنا مستعدين أن نشترك، ضمن مجال واجباتنا الرهبانية، في هذا العمل، الضروري والصعب معاً، لأجل التمييز والتجهيز في سبيل الإصلاح.

الحاجة إلى الإصغاء للشبيبة وتوظيف طاقاتهم في التجديد. فإن هذا مهم لتبلور مجتمع مدني ديمقراطي ومتعدد بإمكانه أن يحرر الأفراد في سلوكهم من ميكانيكية الانتماءات العصبية والطائفية.

نتضرع إلى الله راجين أن لا ينفرض منطق الانتقام وأن توجد وسيلة لتوقيف الانجراف وراء العنف وأن يتمكن شعبنا الناضج من التملّص من التجربة الإرهابية.

أعمق رغبتنا أن تتم المصالحة بين الجميع فإنما العدل والغفران يتعاونان. إننا في دير مار موسى نشهد باستمرار نتائج موقف الاهتداء إلى الله في التوبة الذي تجعله ممكناً نعمةُ وهبةُ المسامحة.

مرّت ثلاثون عاماً ونحن قاطنون في دير مار موسى وعشر سنين في دير مار اليان في القريتين. إن الإرادة الطيبة لدى الناس فضيلةٌ لا تعود بكليتها إلى ظروف المحيط ولا إلى المؤسسات، لذلك سوف نتابع البحث في كل مكان عن تلك الإرادات الطيبة وأن ندعمها في الممارسة اليومية للرجاء. بهذا المعنى، لا بدّ منكم أن تعلموا بأن خيار المجيء إلى بلدنا بغاية السياحة قد أصبح فعل تضامن فعال لصالح المجتمع المدني المارّ بصعوبات حقيقية.

تَملئنا صلواتُكم ومساعداتُكم شكراً. إن على الحياة أن تستمرّ على كل حال. لا يصعب لكم أن تتصوروا أننا في الظرف الحالي نواجه المزيد من الأعباء المادية. نستمرّ في مشاريعنا بهدوء وحكمة: (مشروع تجديد معمل الجبن تحقق ويدخل الآن في مرحلة الإنتاج التجريبي؛ الأشغال لتهيئة دير الحايك للاستقبال الأشخاص المعاقين أو الكبار سناً تتقدم بتوفيق؛ التزامنا البيئي ولا سيما بخصوص محاربة التصحر لا يعاني من تأخير؛ قد بدأنا بالأعمال المعنية بمشروع دير الملائكة للضيافة؛ يستمر نشاط البناء للشقق لأجل العائلات الفتية في رعية النبك. في القريتين تستمر النشاطات في مجال التنقيب الأثري وكذلك البناء والزراعة والحرف. أما في كوري، في إيطاليا، يعبّر طلابنا السوريون الثلاثة، راهب وراهبتان، عن تضامنهم المتألم بممارستهم زهد التزاماتهم العلمية بكل جدّية).

شكراً إذا، شكراً لكم على صداقتكم!

 "المسيح قام"، "حقاً قام" ! بهذه الروح قد وجهنا لكم هذه الأسطر بدافع من قوة الشركة التي توحّد فيما بيننا.

 

جماعة الخليل الرهبانية